رأيها في اختيار الزوج

رأيها في اختيار الزوج

 

لقد حفظ الإسلام للمرأة حقها في اختيار الزوج ، واحترم إرادتها فيه ، إذ أن هذا الموقف هو أدق المواقف في حياتها ، وأمسها بمستقبلها ، وهل هناك ما هو أدل على احترام الإسلام رأي المرأة في هذا الموطن من حديث أم هانئ بنت أبي طالب وقد خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت:

(يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من سمعي ومن بصري ، وإني امرأة مُؤتمة ، وبَنيَّ صغار ، وحق الزوج عظيم ، فأخشى إن أقبلت على زوجي أن اُضيع بعض شأني وولدي ، وإن أقبلت على ولدي أن أضيع حق زوجي) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ، أحناه على ولد في صغره ، وأرعاه على بعل في ذات يده).

 

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية يُنكحها أهلها ، أتُستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم تُستأمر) ، فقالت له: إنها تستحي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فذلك إذنها إذا هي سكتت).

 

غير أن المسألة فيها تفصيل نذكره فيما يلي:

أولاً: البكر الصغيرة:

يجوز للأب تزويج البكر الصغيرة قبل البلوغ بدون إذنها ، لأنها لا إذن لها ، إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن ، ومن يستوي سكوتها وسخطها.

فقد زوج أبو بكر الصديق رضي الله عنه ابنته عائشة رضي الله عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهي بنتُ ست سنين ، وبنى بها وهي بنت تسع سنين.

 

وقد زوج عليٌّ رضي الله عنه ابنته أم كلثوم وهي صغيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وقال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم ن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوَّجها من كفء).

 

تنبيهان:

الأول: اعلم أن الحكمة من جواز تزويج الصغيرة قد تكمن في ظهور مصحلة لها في ذلك ، ويكون الأب قد وجد الكفء ، فلا يُفوِّته إلى وقت البلوغ ، ومع هذا الجواز فالأفضل أن يتريث حتى تكبر ، لتكون من أهل الإذن ، لأنه يلزمها بالنكاح حقوق.

الثاني: أنه - وإن جاز العقد عليها وهي صغيرة – إلا أنه لا يُمكَّن منها حتى تصلح للوطء.

 

ثانياً: البالغ الثيب:

وهذه لا يجوز تزويجها بغير إذنها ، وإذنها الكلام بخلاف البكر فإذنها الصمات ، ولا يجوز لأحد من الأولياء إجبارها على النكاح ، سواء كان الولي أباً أو جداً أو غيرهما.

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأيم أحق بنفسها من وليها ، والبكر تُستأذن في نفسها ، وإذنها صماتها).

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح الأيم حتى تُستأمر).

 

فالمعنى لا يعقد عليها حتى يُطلب الأمر منها ، وكذلك لا يعقد عليها إلا بعد أن تأمر بذلك.

 

وعن الخنساء بنت خِدام الأنصارية (أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك ، فأتت رسول الله فرد نكاحها).

 

ثالثاً: البكر البالغة:

فالراجح من كلام أهل العلم أنه كذلك يشترط إذنها كما يشترط إذن الثيب ، فلا يجوز إجبارها على النكاح ، وذلك للأحاديث السابقة ، فالصحيح أن مناط الإجبار هو الصغر وأن البكر البالغ لا يجبرها أحد على النكاح.

 

وأيضاً: فإن الأب وغيره لا يملك التصرف في مال ابنته البكر البالغ بغير رضاها ، فكيف يملك التصرف في نفسها ومستقبلها ، والنفس فوق المال ، والخسارة في المال أمر هين ، بجانب التضرر الذي سيحصل من الزواج غير المرضي من جانبها.

 

فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن الإسلام أعطى للمرأة البالغة العاقلة ، بكراً أو ثيباً ، كامل الحرية في رفض من لا ترضاه لها زوجاً ، ولا حق لأبيها أو وليها أن يجبرها على من لا تريده.

 

ومما يدل على ذلك أيضاً:

(أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة ، فخيَّرها صلى الله عليه وسلم).

 

وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن عندنا يتيمة ، وقد خطبها رجل معدم ، ورجل موسر ، وهي تهوى المعدم ، ونحن نهوى الموسر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم يُر للمتاحبين مثل النكاح).

 

وحتى لا ترتكب المرأة شططاً في اختيار من ترضاه ، فقد جمع الإسلام بين جعل التزويج لولي المرأة ، وحق المرأة في قبول من ترضاه من الأزواج ، ورد من لا ترضاه ، فمنع الأولياء من الاستبداد في تزويج من لهم عليهن ولاية من بنات وأخوات وغيرهن بغير رضاهن.

 

وكذلك أعطى الأولياء حق رد الزوج من غير الكفء الذي لا يرضاه أولياؤها وعصبتها ، لأن الزواج بغير كفء سبَّة لهم وعار عليهم ، فيكون هذا الزواج سبباً لوقوع العداوة والشقاق بين أهل الزوجة وأهل الزوج ، بدلاً من المودة والتراحم اللذين تدعو إليهما المصاهرة.

 

أعطى الإسلام هذا الحق للمرأة قبل أربعة عشر قرناً ، وفي زمن كانت المرأة فيه تباع كالسلعة ، ولا يرعى لشخصيتها أي اعتبار وذلك – في بابه – يعتبر أسمى ما نالت المرأة من الحرية والكرامة.

 

والإسلام عندما أعطى هذا الحق للمرأة ، كان يهدف إلى خير الفرد والمجتمع ، فالزواج الناشيء عن تراض ورغبة وحرية تامة ، لا شك أنه سيوجد البيت الهادئ والأسرة المستقرة المتعاونة المتفاهمة المترابطة ، وينتج الأولاد الأسوياء في كل شيء ، في الصحة والفكر والأخلاق والتآلف والتراحم ، وبه يتحقق المعنى السامي للزواج الذي ذكره الله سبحانه في قوله:

(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).

 

وإذا فقدت الحرية والتراضي في الزواج ، فقد فُقد التلاؤم والترابط بين ربي الأسرة ، فيحدث النفور والتباغض ، ويتعرض الأولاد – نتيجة هذا – لسوء التربية والتوجيه ، وربما التشرد ، فيكون منهم المجرمون ، والعالة ، والجانحون.

 

فالحرية في اختيار الزوج – فوق أنها حق أعطاه الإسلام للمرأة – لها أثرها الكبير في الفرد ، والأسرة والمجتمع.

 

ـف يـكــونُ تـزويـجُ البنات
ويــجِ مــثــلَ الـثِّـيِّبـات
لِ مـُنعَّـمــاتٍ راضيــــات

 

فليـنظــر الآبــــاء كـيـ
يستأذنـون البكر فــي الـتـز
حتـى يعشـن مــــع الرِّجـا

وقد حكى العرب عن آباء تعسفوا مع بناتهم ، وتأذى بناتهم بذلك العَسف حتى صدر منهن ما لا يحمد من البنت في حق أبيها ، فمن ذلك:

أن إحداهن زوجها أبوها ، وهي حدثة بغير إذنها ، فقالت:

وصيَّرت نفسي في يَدَي من يُهينها
عليــك مجابـاً دعوة يستدينها

 

أيــا أبتـا عَنَّيتنـي وابتليتنـي
أيـا أبتـا لولا التحـرج قد دعـا