وجوب المهر في النكاح وملكيتها له
المهر: يطلق – شرعاً - على
المال الذي يجب على الرجل للمرأة بسبب عقد الزواج عليها.
حكمه: الوجوب ، فقد أوجب الشرع الإسلامي على الرجل أن يبذل الصداق للمرأة
إذا أراد أن يتزوجها.
ودليل وجوب المهر على الزواج: الكتاب
، والسنة ، والإجماع.
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى (وآتوا النساء صُدقاتهن نِحْلَة).
أي عطية من الله مبتدأة ، والمخاطب
بذلك الأزواج عند الأكثرين ، وقيل: الأولياء.
وقوله جل وعلا: (فانكوحهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف).
وقوله سبحانه: (فآتوهن أجورهن فريضة).
وقال تعالى: (وأُحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم مُحصنين غير مسافحين ،
فما استمتعم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة).
وقال جل وعلا: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن).
ثانياً: من السنة:
وقد رأى رسول الله صلى الله عليه
وسلم على عبد الرحمن بن عوف أثر زعفران فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَهيَم؟ –
أي ما أمرك وشأنك – فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة. فقال: أصدقتها؟ قال: وزن نواة
من ذهب ، قال: بارك الله لك ، أولم ولو بشاة).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (التمس
ولو خاتماً من حديد).
فلو كان لأحد أن يتزوج بدون صداق ،
لكان التسامح مع الفقير الذي لم يجد ولا خاتماً من حديد ، ليتزوج المرأة.
وأيضاً ثبت أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لم يُخْلِ زواجاً من مهر ، ولو لم يكن واجباً لتركه مرة ، ليدل على عدم
الوجوب.
ثالثاً: الإجماع:
وأجمع المسلمون على مشروعية الصداق
في النكاح.
ثم إنه لو أبيح أن يتزوج الرجل بدون
مهر ، لكان في ذلك ابتذال للنساء وحط لأقدارهن ، فيراها الرجل بعين الاحتقار
والمهانة ، ولا يعز ذلك على الرجل ، لأنه ما فقد شيئاً ولا أنفق في سبيل الوصول
إليها شيئاً ، وهو المالك لأمر الافتراق فكان إيجاب المهر عليه بمثابة إشعار له
بأن الزوجة شيء لا يسهل الحصول عليه إلا بالبذل والإنفاق ، حتى لا يُفرّط فيه بعد
الحصول عليه.
إن ملك النكاح لم يشرع لعينه ، بل
لمقاصد أخرى ، لا حصول لها إلا بالدوام على النكاح ، والقرار عليه لا يدوم إلا
بوجوب المهر بنفس العقد ، لما يجري بين الزوجين من الأسباب التي قد تحمل الزوج على
الطلاق – من الوحشة والخشونة – فلو لم يجب المهر بنفس العقد ، لا يبالي الزوج في
إزالة الملك لأدنى خشونة تحدث بينهما ، ولا يشق عليه إزالته ، ولأن مصالح النكاح
ومقاصده لا تحصل إلا بالموافقة ، ولا تحصل الموافقة إلا إذا كانت المرأة عزيزة
مكرمة عند الزوج ، ولا عزة إلا بانسداد طريق الوصول إليها إلا بمال له خطره عنده ،
لأن ما ضاق طريق إصابته يعز على الأعين ، وما تيّسر طريق إصابته يهون على الأعين ،
ومتى هانت في عين الزوج تلحقها الوحشة ، فلا تحصل مقاصد النكاح.
وقد أوجب الإسلام المهر على الزوج
وحده دون الزوجة ، حيث راعى في ذلك طبيعة تكوين كل من الرجل والمرأة ، والفطرة
القويمة التي تتفق مع سنة الكون العادلة ورسالة كل منهما في الحياة.
فالرجل بما حباه الله من قوة في
الجسم ، وقدرة على الكسب ، وكمال في العقل ، ومهارة في معرفة دروب العيش ، وحسن
التصرف كلفه الله بالقيام بالكسب ، والنفقة والحماية ، والمهر جزء من النفقة ،
فناسب أن يكلف بالمهر.
أما المرأة فلضعفها في مجال الكسب
والقوة الجسمية وغيرها من خصائص الرجل ، ولما منحها الله من جلد وصبر وعاطفة جياشة
، وإحساس مرهف ، فقد كُلفت بتهيئة أسباب الراحة لزوجها وأولادها والإشراف على شؤون
البيت ، وأيضاً كان في تكليف الرجل بالمهر صيانة للمرأة ، لئلا تمتهن كرامتها في
سبيل جمع المال أولاً ، ثم في تقديمه مهراً ، كأنها هي التي تطلبه.
والمهر عطية محضة فرضها الله للمرأة ، ليست مقابل شيء يجب عليها بذله إلا الوفاء بحقوق الزوجية ، كما أنها
لا تقبل الإسقاط – ولو رضيت المرأة – إلا بعد العقد ، وهذه الآية تعلن على الملأ:
(وآتوا النساء صدُقاتهن نحلة ، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً).
ومعنى (نحلة): فريضة ، أي أعطوهن
مهورهن فريضة من الله تعالى ، وقيل: هبة وعطية,
فالمهر – كما تنص على ذلك النصوص
الشرعية – بعد عقد الزواج الصحيح يصير حقاً خالصاً للزوجة وحدها ، وملكاً من
أملاكها التي ملّكها الإسلام ، لا يشاركها فيه أحد من أوليائها ، ولا سلطان لأحد
عليها في تصرفها فيه بكل أنواع التصرف الجائزة شرعاً ، فلها البيع والهبة والتصدق
والقرض ، وغير ذلك من أنواع التصرف.
فالمهر – قل أو كثر – حق للمرأة ، في
مقابل الميثاق الغليظ ، قال تعالى: (وكيف
تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً).
وإذا مات قبل أن تستوفيه أو بعضه من
زوجها ، كان تركة لها يستوفيه ورثتها من الزوج ، وإذا مات – هو – قبل استيفائها له
، فهو دين عليه ، يخرج من تركته ، قال الله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة).
وقال تعالى: (فآتوهن أجورهن فريضة) ،
أمر بإيتائهن لا بإيتاء أوليائهن ولا غيرهم.